السيد كمال الحيدري
399
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
ومُستودعاً لكثير من الأسرار الإلهية ، وسيكون الأقرب إلى روح النصّ ، فيلتفت إلى النُّكات الدقيقة ، والمعاني الرقيقة التي لا يصمد لها إلا من طهُر قلبُه ، وعليه فإنّ السلوك الصحيح الذي عماده الرياضات الشرعية - لا المُبتدعة - طريق حقِّيٌّ لنيل المعارف القرآنية ، وبحسب المقام الذي يكون عليه العارف تكون معرفته . ونحسب بأنَّ التدبّر القرآني في القرآن الكريم هو خلاصة ما يُريد الوصول إليه السالك في سيره ، فإنَّ القرآن - كما تقدّم - قد تجلَّى الله تعالى فيه بكماله وجماله وجلاله ، ولكنَّه تجلٍّ تحتاج مُعاينته إلى قلوب طاهرة مُبصرة . البينونة بين العرفان والتصوّف كنّا قد تعرّضنا تفصيلًا إلى موضوعة التصوّف في دراسات سابقة « 1 » ، وهنا نودّ الإشارة إلى الخلط الكبير الذي وقع فيه الكثير من الأعلام والكُتَّاب في هذا المجال ، حيث لم يُفرّقوا كثيراً بين المفردتين : ( العرفان والتصوّف ) ، وحيث إننا نُطالع كثيراً من النقودات الروائية لموضوعة التصوّف ، فقد انصرف ذلك تلقائياً إلى مقولة العرفان ؛ نتيجة الخلط وعدم بيان البينونة بينهما ، مع أننا نجد أيضاً تعابير صحيحة وصريحة في عدّة روايات معتبرة إلى مكانة العرفان ، وبهذا العنوان لا غير . ومن الواضح بأنَّ صورة الخلط تشتدّ بين التصوّف والعرفان العملي ، نظراً لكونهما معاً يعنيان بالتزكية وتطهير النفس والسلوك إلى الله تعالى بواسطة الرياضات المختلفة ، ولكنَّ هذا الاقتراب لا يُسوّغ لنا القول بالترادف بينهما ، وعليه فقد مسَّت الحاجة إلى بيان الفرق بينهما ، فلعلّ هنالك من يقول بأنَّ العرفان في بعده النظري يفترق عن التصوّف ، وأما في بعده العملي فهو عينه ، وهذا الفهم مُبتنٍ على المسامحة ، فإنَّ النقودات الروائية للتصوّف إنما عنت
--> ( 1 ) انظر : العرفان الشيعي ، من أبحاث السيد كمال الحيدري ، بقلم : الشيخ خليل رزق . .